عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

201

اللباب في علوم الكتاب

فصل في دحض شبهة للملاحدة لا يلتفت إلى ما ذكره بعض الملاحدة في قوله : « فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ » ، وفي موضع آخر الصَّيْحَةُ [ هود : 67 ] ، وفي موضع آخر بِالطَّاغِيَةِ [ الحاقة : 5 ] واعتقد ما لا يجوز من وجوب التناقض إذ لا منافاة بين ذلك فإن الرجفة مترتبة على الصّيحة ؛ لأنّه لمّا صيح بهم ؛ رجفت قلوبهم فماتوا ، فجاز أن يسند الإهلاك إلى كل منهما . وأمّا « بالطّاغية » فالباء للسببية ، والطّاغية : الطغيان مصدر كالعاقبة ، ويقال للملك الجبّار : طاغية ، والتّاء فيه كعلّامة ونسّابة ، ففي أهلكوا بالطاغية ، أي : بطغيانهم كقوله : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [ الشمس : 11 ] . قال أبو مسلم « 1 » : « الطّاغية : اسم لكلّ ما تجاوز عن حدّه سواء كان حيوانا أو غير حيوان ، قال تعالى في الحيوان : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [ العلق : 6 ] ، وقال : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [ الشمس : 11 ] . وقال في غير الحيوان : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [ الحاقة : 11 ] أي : غلب وتجاوز عن الحدّ . فصل في شهود الناقة قيل إنّ القوم قد شاهدوا خروج النّاقة من الصخرة ، وذلك معجزة قاهرة تلجىء المكلف ، وأيضا شاهدوا الماء الذي كان شربا لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين ، كان شربا لتلك النّاقة الواحدة في اليوم الثّاني ، وذلك معجزة قاهرة تقرب المكلف من الإلجاء . وأيضا إنّ القوم لما نحروها توعدهم صالح بالعذاب ، وشاهدوا صدقه على ما روي أنّهم احمروا في اليوم الأوّل ، واصفرّوا في اليوم الثّاني ، واسودّوا في اليوم الثالث ، مع مشاهدة تلك المعجزة « 2 » العظيمة ، ثم شاهدوا علامات نزول العذاب الشديد في آخر الأمر ، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصرّا على كفره ؟ فالجواب : أن يقال : إنّهم قبل مشاهدتهم تلك العلامات من نزول العذاب كانوا يكذبون ، فلما نزلت بهم أول علامات العذاب وشاهدوها خرجوا عند ذلك عن حد التكليف فلم تكن توبتهم مقبولة . قوله : « فأصبحوا » يجوز أن تكون النّاقصة و « جاثمين » خبرها و « في دارهم » متعلّق به ، ولا يجوز أن يكون الجارّ خبرا و « جاثمين » حال ، لعدم الفائدة بقولك : « فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ » ، وإن جاز الوجهان في قولك : أصبح زيد في الدّار جالسا . ويجوز أن تكون التامة ، أي : دخلوا في الصباح ، و « جاثمين » حال ، والأول أظهر .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 135 . ( 2 ) في أ : المعجزات .